شاشة كاملة

التضحية في الإسلام.. دلالات راسخة ورموز عيد الأضحى المبارك

يَتَجَلّى عيدُ الأضحى المُباركُ في رُبوعِ العالمِ الإسلاميِّ، مُشعًّا بنورِ الإيمانِ، مُتَوّجًا بشعائرِ العبادةِ، مُتَأَلِّقًا بقيمِ التكافلِ..

التضحية في الإسلام.. دلالات راسخة ورموز عيد الأضحى المبارك

 

بقلم رامز الشيشي *كاتب وباحث سياسي

مقدمة

يَتَجَلّى عيدُ الأضحى المُباركُ في رُبوعِ العالمِ الإسلاميِّ، مُشعًّا بنورِ الإيمانِ، مُتَوّجًا بشعائرِ العبادةِ، مُتَأَلِّقًا بقيمِ التكافلِ الاجتماعيِّ. إنه يومٌ تُعظَّمُ فيه الطاعاتُ، وتُحيَا فيه السننُ، وتَتَقاربُ فيه القلوبُ، ويُجدّدُ فيه المسلمونَ عهدهمْ مع ربِّهم على الطاعةِ والانقيادِ.

ففي كُلِّ عامٍ، ومع نهاية صيام يوم عرفات، وعند بلوغِ هلالِ ذي الحِجَّةِ أقصى طورٍ له، تُيمّمُ قلوبُ المسلمينَ شوقًا نحوَ يومِ عيدٍ مبارك عظيمٍ، يومٌ يذبحونَ فيه أضاحيهمْ تقرّبًا إلى اللهِ تعالى، مُستذكرينَ في ذلك سيرةَ نبيِّهم إبراهيمَ -عليه السلامُ- حينما أراهُ اللهُ -سبحانه وتعالى- في المنامِ أنْ يذبحَ ابنَه إسماعيلَ، فما كان من خليلِ الرحمنِ إلا أنْ استسلمَ لأمرِ ربِّه مُسَلِّمًا له أمرَه، مُضحّيًا بأغلى ما يملكُ في سبيلِ محبةِ اللهِ. فأنزلَ اللهُ -عزّ وجلّ- كبشًا عظيمًا فداءً لإسماعيلَ، مُكافأةً لإبراهيمَ على إيمانِه وإخلاصِه وتعبُّدِه.

١. التضحيةُ: جوهرُ العبادةِ وركيزةُ الإيمانِ

إنّ التضحيةَ في الإسلامِ ليستْ مجرّدَ طقسٍ دينيٍّ يُؤدّى في وقتٍ مُحدّدٍ، بلْ هي مبدأٌ راسخٌ في صلبِ العقيدةِ الإسلاميةِ، تَتَجَلّى معانيُه في كُلِّ قولٍ أو فعلٍ يُقصدُ به وجهُ اللهِ تعالى.

فهي استجابةٌ لدعوةِ الفطرةِ التي فطرَ اللهُ –سبحانه وتعالى- النفسَ البشريةَ عليها، وحثّ عليها الأنبياءُ والمرسلونَ، فهي عنوانٌ للعطاءِ والإيثارِ، وتجسيدٌ عميقٌ لمعنى العبوديةِ، وذوبانٌ كاملٌ في محرابِ الطاعةِ والانقيادِ.

٢. عيد الأضحى المبارك.. امتداد تاريخي لشعيرة إبراهيمية

تَعودُ جذورُ الاحتفالِ بعيدِ الأضحى إلى قصةِ النبيِّ إبراهيمَ - عليه السلامِ - وابنِه إسماعيلَ، وقصّتهما معَ التضحيةِ والاستسلامِ المطلقِ لأمرِ اللهِ تعالى، فقد أمرَ اللهُ - عزَّ وجلَّ - نبيَّهُ إبراهيمَ أنْ يَذبحَ ابنَهُ إسماعيلَ اختبارًا لِإيمانِه، فَما كان من خليلِ الرحمنِ إلا أن أذعنَ وأطاعَ، مُستسلِمًا لإرادةِ ربِّه، فَفَداهُ اللهُ بكبشٍ عظيمٍ. ومنذ ذلك الحين، أصبحتْ هذه الحادثةُ المُلهمةُ نبراسًا يهتدي به المسلمونَ في كُلِّ بقاعِ الأرضِ، يُحيونَ سنّةَ نبيِّهم، ويُجدّدونَ عهودَهم مع ربِّهم على الطّاعةِ والاستسلامِ.

وإذا ما تأمّلنا في قصةِ سيدنا إبراهيمَ -عليه السلامُ- لَوَجدناها خيرَ دليلٍ على عظمةِ هذهِ الشعيرةِ، فقد جسّدَ -عليه السلامُ- أسمى معاني الإيثارِ، حينما آثرَ طاعةَ ربِّه على حُبِّ وَلَدِه، مُستسلِمًا لإرادةِ اللهِ -عزّ وجلّ-، مُوقِنًا بحكمتِه وعدلِه.

ولم تكُنْ التضحيةُ حِكْرًا على الأنبياءِ فقطْ، بلْ هي سُنَّةٌ نبويَّةٌ سارَ عليها الأنبياءُ جميعًا، ودعا إليها الإسلامُ أتباعَه، كُلٌّ على قدرِ استطاعتِه، فالنفسُ مُطالَبةٌ بتزكيتِها وتطهيرِها من أدرانِ الهوى والشهواتِ، والمالُ مُطالَبٌ ببذلِه في وجوهِ الخيرِ، ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ -عزّ وجلّ-.

٣. التضحيةُ في حياةِ المسلمِ: سعيٌ دؤوبٌ نحوَ مرضاةِ اللهِ:

يُدركُ المسلمُ أنّ اللهَ -عزّ وجلّ- لم يخلقْنا عبثًا، ولم يتركْنا هَمَلًا، بلْ شرعَ لنا من الأحكامِ ما يُصلِحُ به دنيانا وآخرتنا، وفرضَ علينا من الشعائرِ ما يزكّي به نفوسَنا، ويُطهّرَ به قلوبَنا.

ومن هنا، تبرزُ أهميةُ التضحيةِ في حياةِ المسلمِ كونَها طريقًا لِبُلوغِ رضوانِ اللهِ -عزّ وجلّ-، وسبيلاً للارتقاءِ في مدارجِ الكَمالِ الإنسانيِّ. فتجدُ المسلمَ يُضحّي بِوَقْتِه لِطاعةِ اللهِ -عزّ وجلّ-، فيُسارِعُ إلى الصلاةِ في أوقاتِها، ويُواظِبُ على ذِكْرِ اللهِ -عزّ وجلّ-، ويتلو قرآنَه الكريمَ. ويُضحّي بِمالِه في سبيلِ اللهِ -عزّ وجلّ-، فيُخرِجُ زكاتَه، ويُنْفِقُ في وجوهِ الخيرِ، ويساعدُ الفقراءَ والمُحتاجينَ. ويُضحّي بِجُهدِه وعِلمِه في خدمةِ دينِه وأُمَّتِه، فيُعَلِّمُ الناسَ الخيرَ، ويُنْشِرُ العلمَ والثقافةَ الإسلاميّةَ.

٤. عيدُ الأضحى المبارك: أبعادٌ إيمانيةٌ واجتماعيةٌ وإنسانيةٌ مُتَرابطَةٌ:

لا يقتصرُ عيدُ الأضحى المُباركُ على كونِه مناسبةً دينيّةً فحسبْ، بلْ يتعدّاه ليصبحَ حدثًا اجتماعيًّا وإنسانيًّا بارزًا، تَتَضافرُ فيه أسمى القيمِ والمبادئِ الإنسانيةِ النبيلةِ.

  • البُعدُ الإيمانيُّ: يمثّلُ عيدُ الأضحى فرصةً عظيمةً لتجديدِ الإيمانِ، وتقويةِ الصلةِ باللهِ -عزّ وجلّ-، من خلالِ أداءِ فريضةِ الحجِّ، وإقامةِ صلاةِ العيدِ، والتكبيرِ والتهليلِ، وذبحِ الأضاحي تقرّبًا إلى اللهِ -سبحانه وتعالى-.

  • البُعدُ الاجتماعيُّ: يُسهمُ عيد الأضحى في تعزيزِ أواصرِ المحبّةِ والتآخي بينَ أفرادِ المجتمعِ المسلمِ، من خلالِ تبادلِ الزياراتِ، وتقديمِ التهاني، وصلةِ الأرحامِ، وإدخالِ السرورِ على قلوبِ الفقراءِ والمُحتاجينَ بتوزيعِ لُحومِ الأضاحي عليهمْ، في صورةٍ من صورِ التكافلِ الاجتماعيِّ الذي حثّ عليه الإسلامُ.

  • البُعدُ الإنسانيُّ: يُجسّدُ عيدُ الأضحى قيمَ التراحمِ والتكافلِ بينَ الناسِ، من خلالِ توزيعِ لُحومِ الأضاحي على الفقراءِ والمُحتاجينَ، دونَ تمييزٍ بينَ عرقٍ أو لونٍ أو دينٍ، مُترجِمًا بذلك قيمَ التسامحِ والتعايشِ التي يدعو إليها الإسلامُ.

٥. رموزُ العيدِ: دلالاتٌ مُلهمةٌ وعِبَرٌ خالدةٌ:

يحملُ عيد الأضحى المبارك في طيّاتِه العديدَ من الرموزِ والدلالاتِ، التي تُجسّدُ معاني دينيةً واجتماعيةً عميقةً، نذكرُ منها:

  • الأضحيةُ: رمزٌ للتضحيةِ بالنفسِ والمالِ في سبيلِ اللهِ -عزّ وجلّ-، وإعلانٌ للخضوعِ لأوامرِه، والامتثالِ لشريعتِه، كما تُعدُّ وسيلةً للتكفيرِ عن الذنوبِ، ونيلِ الأجرِ والثوابِ من اللهِ -سبحانه وتعالى-.

  • صلاةُ العيدِ: تعكسُ صلاةُ العيدِ مظاهرَ الفرحِ والابتهاجِ بيومِ عيدٍ عظيمٍ، وتجديدًا للولاءِ للهِ -عزّ وجلّ-، واجتماعًا للمسلمينَ على كلمةٍ واحدةٍ في جوٍّ إيمانيٍّ مُفعَمٍ بالروحانيةِ.

  • تكبيراتُ العيدِ: تُعلنُ تكبيراتُ العيدِ عظمةَ اللهِ -سبحانه وتعالى-، وتُسبّحُ بحمدِه على نعمِه التي لا تُعدّ ولا تُحصى، كما تُضفي على العيدِ جوًّا روحانيًّا مهيبًا.

  • زيارةُ الأقارب وصلة الأرحامِ: تُعدُّ صلةُ الرحمِ من أهمِّ ما حثّ عليه الإسلامُ، ويأتي عيد الأضحى المبارك ليكونَ فرصةً سانحةً لتقويةِ أواصرِ القرابةِ، وزيارةِ الأقاربِ والأرحامِ، وتبادلِ التهاني والزياراتِ.

  • لباسُ العيدِ: يدعو الإسلامُ إلى الظهورِ بمظهرٍ لائقٍ في مناسباتِ المسلمينَ وأعيادِهم، فذلك مظهرٌ من مظاهرِ شكرِ اللهِ –سبحانه وتعالى- على نعمِه.

٦. العيدُ في زمنِ التحدّياتِ: تجديدٌ للأملِ وتعزيزٌ للترابطِ:

في ظلِّ ما يمرُّ به العالمُ اليومَ من أزماتٍ وصراعاتٍ، وحروبٍ وكوارثَ طبيعيةٍ، تبرزُ أهميةُ التشبُّثِ بقيمِ التضحيةِ والتكافلِ التي يُجسّدُها عيدُ الأضحى المباركُ، ليكونَ فرصةً سانحةً لِمَدِّ يدِ العونِ للمُحتاجينَ، ونشرِ قيمِ التسامحِ والمحبّةِ بينَ الناسِ، وتعزيزِ قيمِ التعاونِ والتضامنِ بينَ الشعوبِ، ومداواةِ جراحِ المنكوبينَ، وبثِّ الأملِ في نفوسِ اليائسينَ.

٧. عيد الأضحى المبارك.. مَعلم ثقافي يربط بين الأجيال

يُعدُّ عيدُ الأضحى المباركُ مَعلَمًا ثقافيًّا هامًّا يَربطُ بينَ الأجيالِ، ويُرسِّخُ القيمِ والتّقاليدَ الإسلاميّةَ في نفوسِ الشّبابِ، فمن خلالِ مُشاركةِ الأطفالِ في فَرحةِ العيدِ، وَارتداءِ الملابسِ الجديدةِ، وتناولِ الحلوياتِ، وَتَلقّي العيديةِ من الأقاربِ، يَتَعَلّمونَ مَعاني الكرمِ والتّراحمِ.

٨. عيد الأضحى المبارك في عصر العولمة

في عصرِ العَوْلَمةِ وانفتاحِ الثّقافاتِ، يُمثّلُ عيدُ الأضحى المباركُ فرصةً لِلتّعريفِ بالإسلامِ وقِيَمِهِ السّمحةِ، فمن خلالِ وسائلِ الإعلامِ ووسائلِ التّواصلِ الاجتماعيِّ، يُمكنُ نقلُ صُورةٍ مُشرقةٍ عن هذا العيدِ إلى العالمِ أجمعِ، تُبرِزُ مَعانِيهِ الرّوحانيّةَ والإنسانيّةَ النبيلةَ، وَتُصحّحُ المفاهيمَ الخاطئةَ التي قد تُشوّهُ صُورةَ الإسلامِ والـمُسلمينَ.

خاتمة

يظلُّ عيد الأضحى المبارك منارةً يهتدي بنورِها المسلمونَ في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها، مُجدّدينَ فيها عهودَهم مع ربِّهم على الطاعةِ والانقيادِ، مُتأمّلينَ في معاني التضحيةِ والإيثارِ، مُحيينَ فيها سُنَنَ الأنبياء إبراهيم عليه السلام، ومحمدٍ -صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ-، مُنشرينَ فيها قيمَ التكافلِ والتراحمِ بينَ الناسِ أجمعينَ.

إرسال تعليق

Cookie Consent
We serve cookies on this site to analyze traffic, remember your preferences, and optimize your experience.
Oops!
It seems there is something wrong with your internet connection. Please connect to the internet and start browsing again.
AdBlock Detected!
We have detected that you are using adblocking plugin in your browser.
The revenue we earn by the advertisements is used to manage this website, we request you to whitelist our website in your adblocking plugin.
Site is Blocked
Sorry! This site is not available in your country.